اقتصاديات المصلحة العامة والتنمية الاقتصادية في العراق
تُعدّ قضية المصلحة العامة من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا في الفكر الاقتصادي الحديث، إذ تمثل نقطة الالتقاء بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع، بل وحتى القيم الأخلاقية والدينية. ومع صدور كتاب اقتصاديات المصلحة العامة للاقتصادي الفرنسي جان تيرول، أُعيد طرح هذا المفهوم في سياق جديد يواكب التحولات العالمية، خاصة في ظل هيمنة اقتصاد السوق وتراجع دور الدولة التقليدي. ومن خلال هذا الإطار النظري، يمكن فهم الكثير من التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، حيث تتجلى إشكالية التوفيق بين المصالح الفردية والصالح العام بشكل واضح ومؤثر في مسار التنمية الاقتصادية.
لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية تمثلت في انهيار الأنظمة الاقتصادية المخططة، كما حدث مع سقوط جدار برلين، والتحول الاقتصادي في الصين، مما أدى إلى صعود اقتصاد السوق كنموذج مهيمن عالميًا. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الآليات الاقتصادية، بل مسّ جوهر العلاقة بين الدولة والسوق، حيث تزايد نفوذ الفاعلين الاقتصاديين على حساب السلطة السياسية، وبرزت أدوات جديدة مثل الخصخصة والعولمة والمنافسة المفتوحة، فضلًا عن الاعتماد على الهيئات التنظيمية المستقلة والبنوك المركزية.
ورغم هذا “الانتصار” الظاهري لاقتصاد السوق، إلا أنه ظل انتصارًا ناقصًا، إذ لم ينجح في كسب ثقة الشعوب أو تحقيق العدالة الاجتماعية بالشكل المطلوب. بل على العكس، تصاعدت الانتقادات التي ترى أن هذا النظام قد ضحّى بالمصلحة العامة لصالح تعظيم الأرباح والمصالح الخاصة، مما أدى إلى تفكك العقد الاجتماعي، وتزايد الفوارق الطبقية، وتراجع القيم الإنسانية، فضلًا عن الأزمات البيئية التي تهدد استدامة النمو الاقتصادي.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية: هل فقد العالم بوصلته نحو الصالح العام؟ وكيف يمكن إعادة توجيه السياسات الاقتصادية لخدمة المجتمع ككل؟ للإجابة على هذه الأسئلة، يستند تيرول إلى مفهوم فلسفي عميق يُعرف بـ”حجاب الجهل”، الذي طوّره الفيلسوف جون راولز، ويقوم على تخيّل الفرد لنفسه قبل ولادته، دون معرفة موقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو حتى خصائصه الشخصية. في هذا الوضع الافتراضي، يُفترض أن يختار الفرد النظام الاجتماعي الأكثر عدالة، لأنه قد يكون في أي موقع داخل هذا النظام.
هذا التصور يُعدّ أداة فعالة لتحديد المصلحة العامة، لأنه يُجبر الأفراد على التفكير بشكل موضوعي، بعيدًا عن تحيزاتهم الشخصية. ومن خلاله، يمكن الوصول إلى توافق نسبي حول القيم الأساسية التي يجب أن يقوم عليها المجتمع، مثل العدالة، وتكافؤ الفرص، والحماية الاجتماعية، والحقوق الأساسية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تعريف المصلحة العامة، بل في كيفية تحقيقها عمليًا. وهنا يأتي دور الاقتصاد كعلم تطبيقي يسعى إلى تصميم السياسات والمؤسسات التي تُحقق هذا الهدف. فالأفراد، بطبيعتهم، يتفاعلون مع الحوافز، سواء كانت مادية أو معنوية، وبالتالي فإن سلوكهم قد يتوافق مع المصلحة العامة أو يتعارض معها، بحسب طبيعة هذه الحوافز.
من هذا المنطلق، فإن تحقيق الصالح العام يتطلب بناء مؤسسات قادرة على مواءمة المصالح الفردية مع الأهداف الجماعية. وهذا يعني أن اقتصاد السوق ليس غاية في حد ذاته، بل هو أداة يمكن استخدامها لتحقيق التنمية، بشرط أن يتم تنظيمه بشكل يضمن العدالة والكفاءة في آنٍ واحد.
إذا ما انتقلنا إلى الحالة العراقية، نجد أن هذه الإشكاليات تأخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا. فالعراق، بوصفه دولة ريعية تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط، يعاني من اختلالات هيكلية في اقتصاده، تتمثل في ضعف القطاع الخاص، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور البنية التحتية، فضلًا عن انتشار الفساد الإداري والمالي. هذه التحديات تُعيق تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وتُضعف قدرة الدولة على تحقيق المصلحة العامة.
كما أن غياب المؤسسات الفاعلة التي تنظم العلاقة بين الدولة والسوق، يؤدي إلى تضارب المصالح، حيث تسود المصالح الخاصة على حساب الصالح العام. فعلى سبيل المثال، قد يقوم بعض الأفراد أو الشركات باستغلال الموارد الطبيعية بشكل مفرط لتحقيق أرباح سريعة، دون مراعاة الأثر البيئي أو الاجتماعي، مما يؤدي إلى تدهور الموارد المشتركة مثل المياه والهواء.
وهنا تبرز أهمية مفهوم “المشاعات”، الذي يشير إلى الموارد التي يجب أن تكون متاحة للجميع، مثل البيئة والتراث الثقافي. هذه الموارد، رغم أنها ملك للجميع، إلا أنها عرضة للاستنزاف إذا لم يتم تنظيم استخدامها بشكل فعال. ولذلك، فإن فرض تسعير مناسب على هذه الموارد، أو وضع قيود على استخدامها، يُعدّ وسيلة لتحقيق العدالة والكفاءة في آنٍ واحد.
في العراق، يمكن تطبيق هذا المفهوم من خلال سياسات بيئية صارمة، وتنظيم استخدام الموارد الطبيعية، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية. كما يمكن تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، لضمان توجيه الموارد نحو المشاريع التي تخدم التنمية الحقيقية.
علاوة على ذلك، فإن تحقيق المصلحة العامة يتطلب إصلاح النظام التعليمي، لضمان تكافؤ الفرص، وتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد. كما يتطلب تعزيز نظام الرعاية الصحية، وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر ضعفًا، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية.
ومن جهة أخرى، يجب إعادة النظر في دور الدولة، بحيث لا تكون مجرد جهة تنظيمية، بل شريكًا فاعلًا في التنمية، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، ودعم الابتكار، وتشجيع القطاع الخاص. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، التي نجحت في تحقيق التوازن بين السوق والدولة.
إن الاقتصاد، كما يؤكد تيرول، لا يخدم فئة معينة، ولا يبرر نظامًا اقتصاديًا بعينه، بل يسعى إلى تحسين رفاهية المجتمع ككل. ولذلك، فإن استخدام الأدوات الاقتصادية يجب أن يكون موجهًا نحو تحقيق المصلحة العامة، وليس تعظيم الأرباح فقط.
وفي الختام، يمكن القول إن تحقيق التنمية الاقتصادية في العراق يتطلب تبني رؤية شاملة تقوم على مفهوم المصلحة العامة، وتستند إلى بناء مؤسسات قوية، وتصميم سياسات فعالة، وتعزيز القيم الاجتماعية التي تدعم التعاون والتضامن. إن التحدي ليس سهلًا، لكنه ممكن، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
فالمصلحة العامة ليست مجرد شعار، بل هي معيار حقيقي لنجاح أي نظام اقتصادي، وهي الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه السياسات التنموية، لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
مركز أكد للدراسات الاقتصادية والمالية
تواصل معنا عبر البريد الإلكتروني :
information@acefs.org

