شارك البروفيسور الدكتور عقيل الحسناوي، رئيس مركز أكد للدراسات الاقتصادية والمالية، متحدثاً رئيسياً في مؤتمر EEEU26 الدولي في بالي – إندونيسيا، مقدماً رؤية أكاديمية حول التحول الرقمي في قطاع السياحة وتأثيره في توقعات العملاء ورضاهم وسلوكهم الشرائي.
شارك رئيس مركز أكد للدراسات الاقتصادية والمالية، البروفيسور الدكتور عقيل الحسناوي، في أعمال مؤتمر EEEU26 الدولي المنعقد في جزيرة بالي الإندونيسية، بصفته متحدثاً رئيسياً، حيث ألقى كلمة تناولت التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع السياحة في ظل الثورة الرقمية، وانعكاساتها على تجربة العملاء وسلوكهم الشرائي.
وجاءت الكلمة بعنوان «توقعات العملاء ورضاهم وسلوك الشراء في خدمات السياحة الرقمية المتحولة»، وركزت على الدور المتنامي للتقنيات الرقمية في إعادة تشكيل صناعة السياحة، ابتداءً من مرحلة الإلهام والبحث والتخطيط، مروراً بالحجز والدفع والسفر، وصولاً إلى التقييم وإعادة الشراء.
التحول الرقمي يعيد تشكيل صناعة السياحة
أكد البروفيسور الدكتور عقيل الحسناوي خلال كلمته أن تجربة السائح في العصر الرقمي لم تعد تبدأ عند الوصول إلى المطار، وإنما تبدأ في وقت مبكر عبر الشاشات والمنصات الرقمية، التي أصبحت جزءاً أساسياً من مختلف مراحل الرحلة السياحية.
وتناول العرض حجم التحول الذي يشهده قطاع السياحة عالمياً، مشيراً إلى تسجيل نحو 1.5 مليار وصول للسياح الدوليين خلال عام 2024، بإيرادات بلغت قرابة 1.7 تريليون دولار أمريكي، وبمتوسط إنفاق للرحلة يقارب 1,170 دولاراً، فضلاً عن ارتفاع أعداد الوافدين الدوليين بنسبة 12% مقارنة بعام 2023.
وأوضح أن صناعة السياحة انتقلت من نموذج تقليدي يعتمد على مكاتب السفر والكتيبات والاتصالات الهاتفية، إلى منظومة رقمية تقوم على الحجوزات الإلكترونية والمواقع والتطبيقات والمدفوعات الرقمية، وصولاً إلى السياحة الذكية التي توظف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والتخصيص والخدمات التنبؤية.

السائح الحديث… عميل رقمي بتوقعات جديدة
تناولت الكلمة الرئيسية التحول في طبيعة السائح المعاصر، الذي أصبح عميلاً رقمياً يمتلك توقعات متزايدة تجاه جودة الخدمات وتجربته السياحية.
وحدد العرض مجموعة من أبرز هذه التوقعات، تشمل الراحة والسرعة والتخصيص والشفافية والأمان والمرونة والأصالة وسلاسة التعامل، مع التركيز على خمسة محاور رئيسية لقيمة العميل الرقمية: الراحة، والتخصيص، والسرعة، والثقة والأمان، وجودة التجربة.
كما تناول البروفيسور الحسناوي العلاقة بين التخصيص وسلوك العملاء، مشيراً إلى أن العرض قدم معطيات تفيد بأن احتمالية إعادة الشراء ترتفع بنسبة 78% عند توافر التخصيص.
رضا العملاء بوصفه مساراً نحو الولاء وإعادة الشراء
ركز العرض على العلاقة بين جودة الخدمة الرقمية ورضا العملاء وولائهم، من خلال إطار يربط بين جودة الخدمة وتوقعات العملاء والأداء المتصور والرضا والثقة والولاء، وصولاً إلى إعادة الشراء أو التوصية بالخدمة.
وأوضح البروفيسور الحسناوي أن رضا العميل لا يمثل مجرد استجابة آنية، بل هو حكم تراكمي يتشكل عندما يفي أداء الخدمة بتوقعات العميل أو يتجاوزها.
كما تناول العرض أربعة مستويات للرضا: الوظيفي، والرقمي، والتجريبي، والعاطفي. فالرضا الوظيفي يرتبط بالموثوقية وتلبية الاحتياجات الأساسية، فيما يرتبط الرضا الرقمي بسهولة الاستخدام والسرعة والجودة التقنية، ويرتبط الرضا التجريبي بتماسك الرحلة السياحية واللحظات المميزة، بينما يتصل الرضا العاطفي بشعور العميل بأنه مفهوم ويحظى بالاهتمام والتواصل.
وأكد العرض أن التطور التقني وحده لا يكفي لتحقيق تجربة سياحية متكاملة، ما لم يقترن بقيمة تجريبية وعاطفية ذات معنى.
من الرضا إلى سلوك الشراء
ناقشت الكلمة كذلك العلاقة بين رضا العملاء والنتائج السلوكية القابلة للقياس، ومنها نية الشراء، والشراء الفعلي، وإعادة الشراء، والبيع المتبادل، ومستويات الإنفاق، والتوصيات، والمراجعات الإيجابية.
وقدم العرض رحلة العميل باعتبارها حلقة تعلم مستمرة تبدأ بالإلهام والبحث، ثم المقارنة والحجز والدفع والتجربة والمراجعة، وتنتهي بإعادة الشراء. وفي هذا النموذج، تساعد البيانات السلوكية في تطوير التخصيص وتحسين تجربة العميل في رحلته المستقبلية.
كما سلط العرض الضوء على التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في قرارات السفر، مشيراً إلى أن 92% من المسافرين الشباب تأثروا أو استلهموا من وسائل التواصل الاجتماعي في رحلتهم الأخيرة، مع بروز منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب ومراجعات Google كمصادر مؤثرة في القرار السياحي المعاصر.
الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح جديدة للسياحة
خصص البروفيسور الحسناوي جانباً مهماً من كلمته لمناقشة الانتقال من السياحة الرقمية إلى السياحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتناول العرض مجموعة من التطبيقات، من بينها مساعدو السفر، وروبوتات الدردشة، والتوصيات الشخصية، والتسعير الديناميكي، والتنبؤ بالطلب، وتحليل المشاعر، والخدمات التنبؤية، وتخطيط الرحلات التوليدي.
وفي هذا السياق، طرح العرض تساؤلاً حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والخدمة البشرية: هل يحل الذكاء الاصطناعي محل العنصر البشري أم يعزز دوره؟
وركز الطرح على توظيف الذكاء الاصطناعي في أتمتة المعاملات وتقليل الاحتكاك في الإجراءات، مع الحفاظ على الأبعاد الإنسانية للتجربة السياحية.
كما تناول العرض التحدي المرتبط بالتوازن بين التخصيص والخصوصية، إذ يتطلب التخصيص الوصول إلى مزيد من بيانات العملاء، في حين تتطلب حماية الخصوصية الحد من تعرض البيانات. ولذلك أكد العرض أهمية المسؤولية والأمان والشفافية والموافقة والاستخدام الأخلاقي للبيانات في السياحة الرقمية.
بالي… مختبر حي للسياحة الرقمية
خصصت الكلمة الرئيسية مساحة خاصة لجزيرة بالي باعتبارها وجهة سياحية دولية رئيسية، ووصفتها بأنها «مختبر حي للسياحة الرقمية»، في ظل النمو الكبير الذي تشهده حركة السياحة فيها.
وبحسب البيانات التي تناولها العرض، استقبلت بالي 6,948,754 زائراً دولياً خلال عام 2025، بزيادة بلغت 9.72% مقارنة بعام 2024. كما سجلت الجزيرة نحو 697,110 زيارة دولية مباشرة في يوليو 2025، بزيادة سنوية قدرها 11.42%، فيما بلغ عدد الزيارات الدولية خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025 نحو 3.98 مليون زيارة.
وفي ضوء هذه المعطيات، طرح البروفيسور الدكتور عقيل الحسناوي سؤالاً استراتيجياً أمام شركات ووجهات السياحة حول كيفية تحويل كل وافد إلى عميل طويل الأمد، وربط ذلك بمفهوم قيمة العميل مدى الحياة.
ويشمل هذا المفهوم بناء علاقة مستدامة بين السائح ومختلف مكونات المنظومة السياحية، من الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والجولات، إلى التسوق والمعالم السياحية والزيارات المتكررة والتوصيات.
إطار متكامل لفهم قيمة السياحة الرقمية
قدم البروفيسور الحسناوي خلال مشاركته إطاراً متكاملاً يربط بين التحول الرقمي وجودة الخدمة الرقمية وتوقعات العملاء والتجربة المتصورة ورضا العملاء وسلوك الشراء، مع إدماج الذكاء الاصطناعي والتخصيص ووسائل التواصل الاجتماعي والثقة الرقمية ضمن البيئة السياحية الحديثة.
وربط الإطار هذه العناصر بمجموعة من النتائج السلوكية، تشمل نية الشراء وإعادة الشراء والإنفاق والتوصية، بما يعكس الانتقال من قياس الرضا وحده إلى فهم السلوك الفعلي للعميل.
واختتم العرض بمجموعة من التوجهات الإدارية لمنظمات السياحة، أبرزها:
- تبسيط رحلة العميل وتعزيز الراحة في مختلف مراحلها.
- توظيف البيانات في التخصيص الذكي دون المساس بخصوصية العملاء.
- تعزيز الثقة الرقمية من خلال الأمان والخصوصية والشفافية.
- دمج الذكاء الاصطناعي مع الخدمة البشرية وأتمتة الإجراءات مع الحفاظ على الجانب الإنساني.
- الانتقال من قياس الرضا إلى قياس السلوك، عبر مؤشرات مثل إعادة الشراء والتفاعل والإنفاق والتوصيات.
نحو سياحة تتمحور حول العميل
وفي ختام كلمته، أكد البروفيسور الدكتور عقيل الحسناوي أن مستقبل السياحة لا يقتصر على التحول الرقمي، وإنما يتجه نحو نموذج يركز على العميل ومدعوم بالذكاء الرقمي.
وأكد العرض أن الجمع بين الراحة والتخصيص والثقة يمثل عنصراً محورياً في الاستجابة لتوقعات العملاء، إلى جانب توفير خدمات رقمية سلسة وتجارب إنسانية عالية الجودة.
وتعكس مشاركة رئيس مركز أكد للدراسات الاقتصادية والمالية في مؤتمر EEEU26 حضوراً أكاديمياً في النقاش الدولي حول مستقبل السياحة في ظل التحول الرقمي، من خلال بحث العلاقة بين التكنولوجيا وسلوك العملاء والذكاء الاصطناعي وجودة الخدمات السياحية، والتركيز على الأبعاد الاقتصادية والإدارية لتحويل التجارب الرقمية الإيجابية إلى علاقات مستدامة مع العملاء وعمليات شراء متكررة وتوصيات مستمرة.

