مقدمة
تندلع الحرب في إيران في وقت حرج بالنسبة للاقتصاد العراقي، إذ يعتمد العراق بشكل كبير على صادرات النفط لتمويل معظم ميزانيته، ويعاني من هيكل اقتصادي ومالي هش للغاية يتأثر بسهولة بالصدمات الخارجية. ورغم أن العراق ليس طرفًا في الحرب، إلا أن موقعه الجغرافي القريب من منطقة النزاع، واعتماده على الخليج العربي في النقل البحري، فضلًا عن ارتباطه الاقتصادي بموارد الطاقة الإيرانية، يجعله على الأرجح الأكثر تأثرًا بآثار الحرب، أكثر من العديد من جيرانه الإقليميين. في هذا التحليل، سندرس الوسائل الرئيسية التي ستنتقل من خلالها الصدمة إلى الاقتصاد العراقي، ونقيّم المخاطر المرتبطة بالسيناريوهات قصيرة ومتوسطة الأجل.
أولاً: اضطرابات صادرات النفط… تؤثر بشكل مباشر على إيرادات الحكومة
بما أن النفط يشكل أكثر من 90% من قاعدة إيرادات العراق، فإن أي اضطراب في تصدير المنتجات البترولية يُشكل تهديداً كبيراً للاستقرار المالي. في حال وقوع هجمات على الملاحة في الخليج أو إغلاق مضيق هرمز، مما يؤثر سلباً على جزء كبير من صادرات النفط العراقية، أعلنت الحكومة العراقية حالة القوة القاهرة لبعض حقول النفط التي تديرها شركات دولية.
النتائج قصيرة الأجل:
- انخفاض كبير في إيرادات الحكومة.
- تضرر القدرة على تمويل رواتب الموظفين والنفقات العامة بشدة.
- ازدياد احتمالية ارتفاع العجز المالي واستنزاف الاحتياطيات.
نتيجةً لافتقار العراق إلى تنويع اقتصادي حقيقي، فهو أكثر عرضةً من العديد من الدول الأخرى لأي صدمة سلبية في قطاع الطاقة.
ثانيًا: اضطرابات التجارة عبر الخليج… شريان الحياة البحري للعراق تحت التهديد
يمر أكثر من 90% من التجارة الخارجية للعراق عبر الخليج؛ وبالتالي، عند ازدياد الهجمات على السفن قبالة ميناء الفاو و/أو تعطل خطوط الملاحة، سيحدث تأخير في وصول السلع الأساسية.
الآثار المتوقعة:
- تأخر وصول المواد الغذائية والأدوية إلى العراق.
- ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
- ارتفاع أسعار السلع الأساسية المتوفرة محليًا.
تُفاقم هذه الاضطرابات الضغوط التي تُعاني منها الأسر العراقية التي تُكافح أصلًا لتوفير احتياجاتها اليومية بسبب انخفاض دخلها المتاح.
ثالثًا: ازدياد الضغوط المعيشية على الأسر في العراق
يبدأ المجتمع العراقي هذه الأزمة بضعف شديد في قدرته على الصمود، لأن معظم الأسر تعتمد على رواتب الحكومة أو تنفق الأموال التي تُقدمها الحكومة على نفقات المعيشة. ولا توجد مدخرات لدى معظم الناس.
آثار الحرب على الحياة اليومية:
من الاثار المباشرة للحرب على الحياة اليومية للمواطن العراقي ما يأتي:
- ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل والأدوية وغيرها.
- قلق بشأن تأخر صرف الرواتب أو انخفاض الإنفاق الحكومي.
- تفاقم مستويات الفقر والبطالة.
نتيجةً لهذه الظروف، تنتشر الصدمة الاقتصادية بسرعة من مستوى الدولة إلى كل مواطن.
رابعًا: تهديد إمدادات الكهرباء… نقطة ضعف استراتيجية
يعتمد العراق اعتمادًا كبيرًا على الغاز المستورد من إيران لتوليد ما يقارب ثلث طاقته الكهربائية. أي انقطاع في تدفق هذا الغاز بسبب الحرب قد يتسبب في:
- انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي.
- ارتفاع تكاليف الكهرباء المستخدمة في التصنيع.
- أعباء إضافية على ميزانيات الأسر خلال أشهر الصيف مع ذروة استهلاك الطاقة.
لذلك، يُعد العراق أكثر عرضةً للخطر من العديد من الدول المجاورة التي تمتلك خيارات بديلة وفيرة في مجال الطاقة.
خامساً: المخاطر الاقتصادية الكلية… احتمال حدوث ركود اقتصادي
وفقاً لتقديرات منظمات دولية مختلفة، أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى مراجعات تنازلية لمعدلات النمو المتوقعة في المنطقة، لا سيما بالنسبة للدول المصدرة للنفط والمتأثرة بشكل مباشر بالنزاع. على سبيل المثال،
بالنسبة للعراق:
- قد يكون ارتفاع أسعار النفط مفيداً من الناحية النظرية؛
- إلا أن انخفاض صادرات النفط يُلغي أي فوائد محتملة.
يبدو من المرجح حدوث انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي، وربما ركود اقتصادي، إذا استمرت الأزمة.
سادساً: لماذا يُعد العراق أكثر عرضة للتداعيات السلبية للنزاع؟
خمسة أسباب رئيسية تُسهم في كون العراق أكثر عرضة للتداعيات السلبية للنزاع من دول الخليج:
- الاعتماد الكلي على النفط؛ انعدام مصادر الدخل المتنوعة.
- ضعف المؤسسات؛ سوء الإدارة المالية.
- عدم وجود احتياطيات مالية كافية مماثلة لتلك التي تمتلكها المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة.
- الاعتماد على التجارة البحرية عبر الخليج لاستيراد جميع السلع تقريبًا.
- اعتماد شبكات الأمان الاجتماعي على عوامل خارجية؛ إذ يشعر المواطنون فورًا بأي صدمة مالية.
الخلاصة:
تُظهر الحرب الإيرانية الامريكية بوضوح مدى هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الصدمات الإقليمية، وتؤكد الحاجة المُلحة لإجراء إصلاحات هيكلية شاملة، مثل تنويع مصادر الدخل، وتعزيز البنية التحتية للطاقة، وإنشاء خطوط نقل بحري احتياطية. ومع استمرار التوترات، يقف العراق عند مفترق طرق اقتصادي حرج، يستلزم اتخاذ قرارات استراتيجية فورية للحد من المخاطر وضمان استمرار الاستقرار الاجتماعي والمالي
مركز اكد للدراسات الاقتصادية والمالية

