رغم اللغة الإصلاحية التي اتسم بها المنهاج الاقتصادي للحكومة العراقية 2026–2029، وما حمله من وعود بإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس “الإنتاج والتنويع والاستدامة”، إلا أن القراءة الاقتصادية المتعمقة تكشف أن المنهاج ما يزال أسير مجموعة من الإشكاليات البنيوية التي رافقت الدولة العراقية منذ عام 2003، بل إن بعض هذه الإشكاليات تظهر داخل النص نفسه بصورة غير مباشرة. فالمنهاج، وإن حاول أن يقدم تصوراً لدولة أكثر قدرة على إدارة الاقتصاد، إلا أنه لم يستطع التحرر الكامل من طبيعة الاقتصاد الريعي، ولا من القيود السياسية والمؤسساتية التي تحد من إمكان تنفيذ أي إصلاح اقتصادي جذري.
إن أول مكامن الضعف الجوهرية في المنهاج تتمثل في الطابع الإنشائي الذي يغلب على الكثير من مضامينه الاقتصادية. فالوثيقة تستخدم مفردات مثل “التنويع الاقتصادي”، و”الاقتصاد المنتج”، و”الاستدامة المالية”، و”تمكين القطاع الخاص”، لكنها لا تتحول بهذه المفاهيم إلى خطط تنفيذية واضحة ذات أهداف رقمية قابلة للقياس. فالحكومات لا تُقاس ببلاغة الشعارات، بل بمؤشرات الأداء التي يمكن مراقبتها ومحاسبتها على أساسها. والمنهاج لم يحدد مثلاً نسبة مستهدفة لتقليص الاعتماد على النفط، ولا حجم النمو المتوقع للقطاعات غير النفطية، ولا نسب البطالة التي يسعى إلى خفضها، ولا حتى سقفاً زمنياً واضحاً لتحقيق هذه التحولات. وبذلك بقيت الرؤية الاقتصادية أقرب إلى إعلان سياسي عام منها إلى برنامج اقتصادي تفصيلي يمكن تقييم نجاحه أو إخفاقه بموضوعية.
وتبرز مشكلة أخرى أكثر عمقاً، وهي أن المنهاج يتحدث عن الانتقال إلى “اقتصاد منتج”، بينما لا يزال يعتمد عملياً على الأدوات الريعية نفسها التي كرست هشاشة الاقتصاد العراقي لعقود طويلة. فالموارد النفطية تبقى المصدر الرئيس لتمويل الموازنة، ولتمويل مشاريع الإصلاح نفسها، ولضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي عبر الرواتب والدعم الحكومي. وهذا يعني أن أي هبوط حاد في أسعار النفط قد يعطل معظم البرامج التي تحدث عنها المنهاج، لأن الدولة لم تنجح بعد في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على تمويل الاقتصاد بمعزل عن النفط. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالمنهاج يعلن رغبته في تجاوز الاقتصاد الريعي، لكنه في الوقت ذاته يظل معتمداً عليه بصورة شبه كلية.
كما أن المنهاج لم يذهب بعيداً في معالجة الخلل الهيكلي في القطاع العام، وهو الخلل الذي يمثل أحد أكبر معوقات التنمية الاقتصادية في العراق. فالاقتصاد العراقي يعاني من تضخم إداري ووظيفي هائل، حيث تحولت الدولة إلى رب عمل رئيسي لملايين المواطنين، ليس بدافع الحاجة الإنتاجية، بل بفعل الضغوط السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن المنهاج تجنب بشكل واضح الحديث عن إعادة هيكلة الوظيفة العامة أو معالجة البطالة المقنعة أو إصلاح نظام الرواتب والدعم. ويبدو أن الحكومة اختارت الابتعاد عن هذا الملف بسبب كلفته السياسية المرتفعة، لكن تجاهله يعني عملياً استمرار استنزاف المالية العامة واستمرار ضعف الإنتاجية داخل مؤسسات الدولة.
ومن أبرز نقاط الضعف أيضاً أن المنهاج يعول كثيراً على القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي بوصفهما محركين للنمو الاقتصادي، لكنه لا يقدم معالجة جذرية للمشكلات التي تعيق نمو القطاع الخاص في العراق. فالاقتصاد العراقي لا يعاني فقط من نقص الاستثمار، بل من بيئة مؤسساتية طاردة للاستثمار أساساً. فالبيروقراطية المعقدة، والفساد الإداري، وضعف القضاء التجاري، وتعدد الجهات الرقابية، وعدم استقرار التشريعات، كلها عوامل تجعل بيئة الأعمال العراقية من أكثر البيئات هشاشة في المنطقة. والمنهاج، رغم إشارته إلى “النافذة الواحدة” وتحسين بيئة الأعمال، لم يقدم تصوراً واضحاً لكيفية تفكيك هذه البنية المعقدة من العراقيل التي تواجه المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء. وبالتالي فإن الحديث عن جذب الاستثمارات قد يبقى محدود التأثير إذا لم يرافقه إصلاح مؤسساتي حقيقي وعميق.
وفي الجانب المالي، يظهر القصور بوضوح في غياب رؤية دقيقة للإصلاح الضريبي. فالمنهاج تحدث عن تعزيز الإيرادات غير النفطية ورقمنة الجباية، لكنه لم يناقش بصورة حقيقية أزمة النظام الضريبي العراقي الذي يعاني من ضعف القاعدة الضريبية واتساع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع معدلات التهرب الضريبي. كما لم يتطرق إلى إعادة هيكلة النظام الضريبي بما يحقق العدالة والكفاءة الاقتصادية. وبذلك بقي ملف الإيرادات غير النفطية مطروحاً كشعار عام من دون أدوات تنفيذية حقيقية، رغم أنه يمثل حجر الأساس في أي عملية تحول اقتصادي بعيدة عن النفط.
أما في قطاع الصناعة، فعلى الرغم من تأكيد المنهاج أهمية دعم الصناعات الوطنية وتطوير المدن الصناعية، إلا أن الرؤية الصناعية نفسها بقيت فضفاضة وغير محددة المعالم. فلم يتم تحديد القطاعات الصناعية ذات الأولوية، ولا آليات التمويل الصناعي، ولا الاستراتيجية التصديرية، ولا السياسات الحمائية التي يمكن أن توازن بين حماية المنتج المحلي والانفتاح التجاري. وهذا يعكس استمرار غياب سياسة صناعية وطنية متكاملة، وهي المشكلة التي رافقت الاقتصاد العراقي منذ عقود، حيث ظل القطاع الصناعي ضعيفاً وغير قادر على المنافسة بسبب هيمنة النفط والاستيراد.
وفي القطاع الزراعي، ورغم الحديث عن الأمن الغذائي وتحديث وسائل الري وتشجيع الاستثمار الزراعي، إلا أن المنهاج لم يقدم معالجة استراتيجية لأزمة المياه التي تمثل التهديد الأخطر لمستقبل الزراعة العراقية. فالعراق يواجه تحديات مائية متصاعدة نتيجة السياسات المائية لدول المنبع والتغيرات المناخية، وكان من المفترض أن يحتل هذا الملف مساحة أكثر وضوحاً وتفصيلاً داخل المنهاج الاقتصادي. لكن الطرح بقي عاماً ولم يتحول إلى استراتيجية وطنية متكاملة للأمن المائي والغذائي.
ومن الملاحظ أيضاً أن المنهاج توسع في الحديث عن تأسيس المجالس والهيئات الجديدة، مثل المجلس الأعلى للاستقرار المالي والنقدي والمجلس الأعلى للاستثمار وصندوق الأجيال. ورغم أهمية التنسيق المؤسسي، إلا أن التجربة العراقية أثبتت أن كثرة المؤسسات لا تعني بالضرورة تحسين الأداء، بل قد تؤدي أحياناً إلى تضارب الصلاحيات وتضخم البيروقراطية. وكان الأجدى التركيز على إصلاح المؤسسات القائمة وتعزيز كفاءتها بدلاً من التوسع في إنشاء هياكل جديدة قد تواجه المشكلات نفسها.
وفي ملف مكافحة الفساد، يبدو المنهاج أقل جرأة مما تتطلبه طبيعة الأزمة العراقية. فهو يتحدث عن الحوكمة والرقمنة وتعزيز الأجهزة الرقابية، لكنه لا يقترب بصورة مباشرة من البنية السياسية والاقتصادية التي تنتج الفساد وتحميه. فالفساد في العراق لم يعد مجرد خلل إداري، بل أصبح جزءاً من شبكة مصالح معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والسلطة. ولذلك فإن أي حديث عن الإصلاح الاقتصادي من دون إصلاح سياسي ومؤسساتي حقيقي سيظل محدود التأثير.
كما أن المنهاج لم يقدم رؤية واضحة لإدارة المخاطر الاقتصادية الكبرى التي قد تواجه العراق خلال السنوات المقبلة، مثل تقلبات أسعار النفط، والأزمات الجيوسياسية، والتغير المناخي، والأزمات المالية العالمية. فالاقتصاد العراقي شديد الهشاشة أمام الصدمات الخارجية، وكان من الضروري أن يتضمن المنهاج سيناريوهات بديلة وخطط طوارئ اقتصادية ومالية، لكنه اكتفى بإشارات عامة إلى “إدارة المخاطر” دون تفصيل.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المنهاج الاقتصادي الحكومي يحمل وعياً متقدماً نسبياً بطبيعة الأزمة الاقتصادية العراقية، ويعكس إدراكاً لحاجة البلاد إلى التنويع والإصلاح والتحول الرقمي وتمكين القطاع الخاص، إلا أن هذا الوعي لم يتحول بعد إلى رؤية تنفيذية مكتملة. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في تشخيص الأزمة، بل في غياب الأدوات السياسية والمؤسساتية القادرة على معالجتها. ولذلك يبقى التحدي الأكبر أمام المنهاج ليس في صياغة الأهداف، وإنما في القدرة على تنفيذها داخل بيئة سياسية وإدارية واقتصادية ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية عميقة.

